الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

268

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى اللّه تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف اللّه تعالى به ، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالا في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم التنقل الجسم واللّه منزه عنه ، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي ، فإن كان الكلام خبرا أو تهكما فلا حاجة للتأويل ، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيدا من اللّه لزم التأويل ، لأن اللّه تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت ، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه ، وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى اللّه أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول ، وإلى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون : الوجه الأول ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت للّه تعالى ، لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث . فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوه منها : الوجه الثاني : أقول يجوز تأويل إتيان اللّه بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعا لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه ، أو بأنه مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعا للفريقين ، أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي ، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول : أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصله ، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال تعالى : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [ الحشر : 2 ] وقال فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] وليس قوله : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ بمناف لهذا المعنى ، لأن ظهور أمر اللّه وحدوث تعلق قدرته يكون محفوفا بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ قريبا . الوجه الثالث : إسناد الإتيان إلى اللّه تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم عذاب اللّه يوم القيامة أو في الدنيا وكونه فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين . الوجه الرابع : يأتيهم كلام اللّه الدالّ على الأمر ويكون ذلك الكلام مسموعا من قبل